دنيا، الغضب الساطع في القاهرة
كان من المُفترَض أن يُعرَض الفيلم في بداية شهر تمّوز يوليو. لكن، ساهمت صدفة تأجيل عرضه لمدّة شهرين، كما غالباً ما يحدث، بالنّسبة إلى فيلمٍ حسّاسٍ أكثر من غيره، في إعطائه صدىً مختلفاً كلّ الاختلاف. في ذلك الوقت، شهد لبنان، وهو البلد الأم لمخرجة الأفلام السينمائيّة والوثائقيّة جوسلين صعب، حرباً جديدةً (وسيُعرَض دنيا في 7 أيلول سبتمبر، في بيروت) بينما القاهرة حيث تمّ تصوير الفيلم بكامله تبكي نجيب محفوظ.
في الواقع، نفكّر في الكاتب المصري عندما نرى هذه الشّخصيّة المحوريّة في حياة دنيا: أستاذ في عقده الخامس لا يزال جذّاباً، يكتب الافتتاحيّات المُلتزمة ويفسّر روايات ألف ليلة وليلة التي منعها العلماء الوهّابيّون، اعتُدِي عليه في الشارع، فأُصيب بالعمى. هو الأعمى بحاجةٍ ماسةٍ إلى الكلمات لاستعادة مذاق الحبّ. أما دنيا (حنان الترك، بطلات آخر أفلام يوسف شاهين) التي لم تبلغ سوى 23 سنة من عمرها، فهي بحاجة إلى الشعر الغزلي العربي والرقص الصوفي لتفهم كيف المرأة العربيّة تتخبّط، في تناقضٍ تامٍ، بين خوفها من الحبّ والجوّ الشهواني السائد في الشارع العربي.

 

ترقص هذه الفتاة مع خوفها وتتمايل وتطرح تساؤلاتٍ عن المرأة العربيّة تزرع الخوف في القلوب. إنها بمثابة علامة استفهام. تتّهمها القاهرة بالجنون، لأنّ تساؤلاتها تثير جنونهم. هذا الفيلم، كما هي الحال في غالبيّة أفلام جوسلين صعب، يُملي التعاليمَ، حتّى في أدقّ التفاصيل (دنيا ترتدي دائماً اللّون الأحمر). لكن لا ينبغي أن نلومَها على محاربة محرّمات المجتمع المصري بمفردها، من بينها الختان، العصب السري للفيلم، وهي آفة تصيب 97% من المصريّات (وهي في الأصل ليست بممارسةٍ إسلامية)، إنما آفة تبقى مُستترةً مكتومةً. أثار فيلم "دنيا" الذي عُرض في الشّتاء الماضي في مهرجان القاهرة فضيحةً (جوسلين صعب: "شاهده 800 شخصٍ وعلّق عليه 70 مليون")، وهو لا يزال ينتظر الرّخصة التي ستسمح له بأن يُعرّض في الصالات المصريّة.

ب. أ. ليراسيون P.A. Libération 6 أيلول سبتمبر 2006، فرنسا

جميع المقالات